آيد إينستون: مغامرتي في إيران

آيد إينستون * – في الأسبوع الماضي كنت أسير في شوارع طهران, كان هناك مكان للعبادة ورائي بقبةٍ فيروزية, وأمامي كان هناك جبل وقد كست الثلوج قمته. وإن قمنا بغض النظر عنهما فإن هذا الشارع كان من الممكن أن يكون أي منطقة من لندن (مع سطح عمراني أدنى), لكنه لم يكن كذلك, لقد كانت طهران في إيران. هذا المكان الذي لا تربطه مع المملكة المتحدة أي نوع من العلاقات الدبلوماسية, كما أنه وإضافةً لذلك فقد كُتب على موقع القنصلية البريطانية على الإنترنت عبارة غير ودية تقول: “لا تذهب إلى هناك”.

إذاً, فما الذي كنت أفعله هناك من بين كل تلك الأماكن المتاحة؟

The 20 foot high banner advertising the conference in Tehran

لوحة إعلانات عن مؤتمر في طهران بإرتفاع 20 قدم

البعض من أصدقائي ومنذ العام 2009م كانوا قد أتوا لهنا عدة مرات للمشاركة بالمؤتمرات الكبيرة التي عُقدت في إيران. لم يكن أحد قبل ذلك قد طلب مني المشاركة في مثل هذه المؤتمرات لذلك لم يسبق لي وأن فكرت في هذا الأمر. ولكن وفي ربيع هذا العام (2012م) تم الطلب مني وبشكل مباشر أن آتي وأشارك في أحدها ورأيت أنه من الأفضل المشاركة وصممت على المجئ.

يتم تنظيم هذه المؤتمرات من قبل “سبهر تافرديان” (Sepehr Taverdian) وهو رئيس واحدة من الشركات القليلة والمعدودة في إيران التي تقوم بتنظيم مؤتمرات دولية كبيرة, كذلك فقد كان يعمل مترجماً سابقاً لدى الحكومة ولهذا السبب تم إعطاءه حريةً كاملة ليقوم بإستقطاب وجلب المتحدثين والخطباء من مختلف أنحاء العالم إلى إيران. ففي الشهر الماضي براين ترسي (Brian Tracy) وهو أحد الخطباء العالميين المشهورين في المجال التجاري كان قد جاء إيران. وفي هذا السياق تم منح سبهر شهادة دكتوراة فخرية من إحدى الجامعات الأمريكية تقديراً للإنجازات التي حققتها شركته.

ولكن ومنذ العام 2009م وحتى الآن فهناك الكثير من الأشياء قد تغيرت, مع إزدياد القلق الدولي إزاء البرنامج النووي الإيراني ورأي المجتمع الدولي الحازم تجاهه وخاصة “إسرائيل”, إضافة للعقوبات التجارية المفروضة على إيران من قبل الإتحاد الأوروبي وأمريكا. كان هناك الكثير من الأسئلة التي تراودني, هل سيكون من الآمن ذهابي إلى هناك؟ وهل ستكون المواضيع التي سأقوم بعرضها مفيدة (خاصة مع وجود الترجمة الفارسية والتي ستتم في نفس الوقت)؟ على العموم, هل كان عليّ أن أذهب؟

هل كان عليّ أن أذهب؟ إن الذهاب لإيران لا يُعتبر إنتهاك للعقوبات التجارية المفروضة كما أنه لم يكن من الأمور المحظورة. المجئ إلى هذا البلد كان تجربةً قيمة بالنسبة لي وآمل أن يكون المستمعين قد إستفادوا مما قدمته لهم. لقد كانوا سعداء جداً وممتنين لحضوري, يمكن إعتباري كنوع من الوساطات غير الرسمية لنشر السلام والمحبة والتبادل الثقافي. كان من الواضح أنه لا يوجد ضمن هذه الزيارة أي نوع من الأجندات السياسية, فقد كانوا قد أخبروني أن نقوم بتجنب الإشارة إلى السياسة أو الدين أو الجنس. لكن هذا لم يكن بالأمر الصعب إذ أن هذه المواضيع لا ترتبط بالتجارة بشكلٍ من الأشكال.

من وسط طهران

سواء أكنا نعتقد أنفسنا متحدثين متخصصين وخبراء في مجال إدارة الأعمال مع خبرةٍ ذات قيمة أم لا, فإننا بالتأكيد متحدثين تحريكيين (رغم أن الجميع تقريباً قد إلتف حول هذا المصطلح). فما أعنيه هو أن وظيفتنا الأساسية هي العمل على الإلهام وتحريك وتحفيز المستمعين لتغيير أو عمل بعض الأشياء, وإلا فإن هذا المؤتمر سيكون عبارة عن 60 دقيقة من التسلية.

سيصبح هذا المكان أكثر متعة, فقد كانوا قد أخبروني أنه سيأتي ضمن الحضور ممثلون عن وزارة الثقافة مما يمكن إعتباره نوع من الشرطة السرية, بإعتقادي الشخصي أنهم كانوا هناك للتأكد من أننا لن نقوم بالتحريض أو التحدث بما يسئ للدولة أو الإسلام. لقد كنت حريصاً تماماً على أن لا أقوم بفعل أي من تلك الأمور, لأنك أساساً تحترم  ثقافة البلد الذي حللت ضيفاً عليه  بالإضافة لأنني لا أود أن أقوم بإزعاج أي شخص في أي مكان, على أي حال.

ولكن وكما تعلمون, فإن كنتم من متابعي ما أقوم به لفترة من الوقت فأنا دائماً أقوم بالتحدث عن الإبداع, عن الإبتكار, أتحدث عن كسر الحواجز وتخطي العقبات وتحطيم القيود التي تُقيد التحرر الفكري لدينا. مع كل ما سبق, هل إستطعت تقديم مشاركتي من دون أن أقوم بإثارة الغضب أو الإساءة لثقافة مختلفة و لمعتقداتها؟

الجواب على هذا السؤال لا يكمن عندهم, بل عندي. برأيي الشخصي كم كنت مبدعاً؟ هل إمتلكت من الإبداع ما يكفي لأن أكون قادراً على مواجهة هذا التحدي بشكل مناسب؟

لقد إتخذت قراري للقيام بهذه الخطوة والمجئ حيث كان إلى جانبي صديقي العزيز “جيف رم” (Geoff Ramm) المتحدث والخبير في مجال التسويق ويشغل حالياً منصب رئيس إتحاد المتحدثين المَهَرَة والذي كان قد جاء إلى إيران ثلاث مرات قبل ذلك, بالإضافة لوجود “آلان استيفنز” (Stevens) المتحدث الدولي والمدرب الإعلامي ذو الشهرة الكبيرة, لقد ساعدني كثيراً وجودهما إلى جانبي.

منظر من فندق طوبى, طهران

ولكن كنت مضطرباً في البداية. ففي الشهر الماضي كنت قد ألقيت كلمة الإفتتاح في مؤتمر إتحاد المتحدثين المهرة, وقد كنت قد رأيت سبهر وقد جاء لهناك وشاهد العرض. ما قمت بعرضه هناك لم يكن من المقرر أن أقوم بعرضه أمام رجال الأعمال في طهران. وليبقى سراً بيني وبينكم فأنا لا أعتقد أن سبهر قد أُعجب بما قمت بتقديمه وظننت  حينها أن كل شئ قد تم لغيه.

ولكن ما قاله لي أنني لن أستطيع أن أقوم بعملي مع وجود الغيتار. عندها قلت مذعوراً: لا أُحضر الغيتار؟ ولكنه لي!  هو فني, هو خاصتي. . .

كان يجب أن أقوم بوضع نفسي جانباً والإلتفات للمستمعين وما يريدونه وما هم بحاجةٍ إليه, فالأمر لا يتعلق بي. هل يمكنني تقديم المحاضرة من دون الغيتار؟ ولكن وبطبيعة الحال! فالمهنية بداخلي هيّ من إنتصر بالنهاية, وهي من حفزني  على الإستمرار.

لم نتمكن من الحديث عن الدين أو السياسة, لكن ذلك لم يمنعنا من التفكير بهما.كان لدينا خوف من نتائج الإنتخابات الإمريكية وفيما إذا سارت بإتجاهٍ واحد مما قد يُعتبر بمثابةِ ضوءٍ أخضر للقيام بتغيير جذري في المواقف تجاه بعض الدول. عندما وصلنا هناك لم يكن لدينا أخبار وعلمنا عبر رسائل البريد الإلكتروني أن أوباما قد فاز بالإنتخابات, لكن على أي حال فأي من أصدقائنا الإيرانيين لم يكن مهتم بالفائز.

عندما وصلت هناك كانت جميع مخاوفي قد تبددت بمجرد رؤيتي لـ “جف” حيث كان قد جاء قبل ذلك ثلاث مرات لإيران بالإضافة لكونه من نفس عمري. وبمجرد لقائي به بدأنا بتبادل الآراء حول فلم حرب النجوم (Star Wars) والمقاطع المشابهة لما نحن فيه الآن, حاولنا تشبيه مقاطعه بوضعنا الحالي. حيث قمنا بتشبيه السفر والمجئ لإيران بالمجئ إلى “Tatooine” (أحد الكواكب الحارة في فلم حرب النجوم) وبذلك سرعان ما أصبحت الأمور محببة أكثر, ولكن آخر مرة كان جف قد جاء بها إلى هنا كان في مثل هذا الوقت من السنة حيث كانت سماكة الثلج حوالي الثلاثة أقدام لذلك كان من الأصح أن نقول أننا قد جئنا لكوكب ” Hoth ” (أحد الكواكب الباردة في فلم حرب النجوم).

إستمر المؤتمر قرابة اليومين بحضور أكثر من 750 مستمع. كان اليوم الأول قد إنتهى وبدأ اليوم الثاني, كانت محاضرتي الأولى عن العلامات التجارية والثانية عن الإبداع. كانت تنتابني لحظات أشعر بها أن هذا المؤتمر كما باقي المؤتمرات إلا أنه كان هناك ما يذكرني أننا في مكانٍ مختلف, ففوق خشبة المسرح (كذلك في جميع غرف هذا المكان) كانت صورة معلقة لآية الله الإمام الخميني قائد الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979م والذي توفي في العام 1989م, إضافة لصورة مُعلقة إلى يسارها لآية الله الخامنئي (وفي بعض الغرف تم الجمع بينهما في صورةٍ واحدة).

السيدات اللواتي قمن بالمساعدة في إجراء هذا الحدث قُمن وكما هو الرسم بإرتداء المانتوهات الطويلة والحجاب الذي يقوم فقط بإظهار الوجه.

سوق مسقوف في طهران

كانوا قد أخبرونا أنه يجب تجنب لمس أي إمرأة حتى ولو كان بقصد المصافحة, قاعدة سهلة لكن تطبيقها كان يحتوي على شئ من الصعوبة, فبعد إنتهاء المؤتمر  تجمهر حولنا الكثير من الناس, الجميع كان يريد أن يلتقط معنا الصور بشكل جماعي أو منفرد, عندما قلت الجميع فأنا بالفعل كنت قد قصدت الجميع. لم يسبق وأن تم تصويري بهذا المقدار, حتى أنه قد تم تصويري أكثر من يوم عرسي, أعتقد أن أكثر من 1000 صورة قد تم إلتقاطها لي. إنه نوعٌ من التحقير للذات أنه أفكر هكذا لكنني أعتقد على الأرجح أن هذا لن يتكرر معي ولن يتم الإحتفاء بي مرة أخرة بكل هذا المقدار.

كما حدث معي في حفلة البيتلز “Beatles” في العام 1964م في أمريكا. ومن قبيل الصدفة فقد كنت مرتدياً قميصاً وبنطالاً شبيهاً باللباس الذي كان بيتلز يرتديه في كليبه الذي حقق نتائج مبيعات كبيرة “Ed Sullivan”, (لم يلحظ أحد ذلك عدا آلان استيفنز والذي كان متعهد حفلات). على أي حال, فقد جعلني ذلك أشعر بحالةٍ جيدة.

الناس الذين شاهدتهم والتقيت بهم كانوا ودودين ولطفاء وقد بدت عليهم السعادة لوجودنا هناك. لقد كنت قد ذهبت للكثير من الأماكن الغريبة والعجيبة, وأينما ذهبت كنت أجد الشئ نفسه, أليس كذلك؟ أنا متأكد من أنكم أنتم أيضاً لاحظتم نفس الشئ. فالناس هم الناس أينما ذهبت.

يوجد الكثير من المفارقات في إيران من نواحٍ كثيرة. وعلى الأغلب فإن وطأة العقوبات وشدتها سوف تزداد كما أن الأوضاع الراهنة سوف تتغير بشكل لا يمكن التنبؤ بها, وكما هي العادة فإن الناس العاديين هم أول من سيتضرر ويتأذى. بعض من الشركات الذين تحدثنا إليهم كانوا قد أوضحوا أن الأوضاع تتغير بالنسبة لهم بالفعل.

كما أنني أتوجه بالشكر لسبهر وفريقه المذهل ولجميع الناس الودودين الذين إلتقيت بهم في إيران.

وأنا أقول هنا أننا “حلاليّ مشاكل محترفين” ونحن كذلك, كما أننا أيضاً صانعي سلام محترفين. فالإبداع والتسوق والأعمال التجارية  هي أدوات للسلام, وكانت كذلك لآلاف السنين. حيث مكنت أولى الحضارات من أن تنهض وتزدهر  وتبني المدن وتعيش فيها بعزة نفس بدلاً من الجلوس خائفين في الكهوف.  لقد وجدت بأن الفرس كان لهم تاريخ مجيد. كما أننا جميعاً لدينا تاريخ مُشترك أقرب مما يمكنكم تخيله, وأنا ومن دون أي رياء آمل أن يكون لدينا مستقبل مشترك حيث يمكن لذريتنا الإشارة للوراء والقول: “نعم كان هناك نقطة تحول وهي التي أدت لتحقيق الأفضل”.

في مقالتي القادمة أود أن أقوم بإطلاعكم على الأمور التي قمنا بتغطيتها في سياق المؤتمر بالإضافة لمقاطع الفيديو والصور الرائعة التي قمت بإلتقاطها والتي سأقوم بإضافتها في وقتٍ لاحق.

صحيح, بالمناسبة, المكان الذي كنا فيه كان آمناً بالكامل وقد تم الإعتناء بنا هناك طوال الوقت (ربما بإستثناء سيارات الأجرة التي كانت تقوم بمسابقات فيما بينها, حيث كنت قد قمت بإلتقاط فيديو حول ذلك وسأقوم بإضافته في وقتٍ لاحق لكي يتسنى لكم مشاهدته, لذا إبقو في الجوار. . .).

* آيد إينستون مدير مبدع وخلاق, متحدث وخطيب ماهر. زار إيران في تشرين الثاني نوفمبر من العام 2012م. تستطيعون قراءة المزيد على موقعه على الإنترنت أو على مدونته الخاصة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *


*

 

Subscribe to Website via Email

Membership
A member of the Professional Travel Bloggers Association