من خلف صفوف صلاة الجمعة في طهران

مهدية جهانغير – يتوافد الناس من كل شارع على شكل مجموعات وقليل منهم فُرادا. منذ ساعة مضت من الآن تم إغلاق جزء من الشوارع التي تصل بساحة الثورة (ميدان انقلاب) ويُحظر على السيارات المرور عبرها. لذلك فهناك مسافة قصيرة يجب على المرء قطعها سيراً على الأقدام. بعض الرجال يقومون بغسل وجوههم وأيديهم تجهزأ للصلاة فهذا شئ ضروري ويجب فعله في الإسلام. يقوم الناس بالبحث لأنفسهم عن مكان في الصفوف الأمامية ونتيجة لذلك يتم ملئ الثغرات ويقومون بمد سجادات الصلاة في الطريق بحيث يبقى مكان الرجال في الأمام والنساء في الخلف.  هذا المكان ليس مسجد, ولا هو مكان عبادة تقليدي للمسلمين. هنا جامعة طهران والناس الآن تستعد لخطبة صلاة الجمعة.

النساء المشاركات في الصلاة

يبدأ الأسبوع في إيران يوم السبت وينتهي يوم الجمعة. فيوم الجمعة عند المسلمين كما يوم الأحد عند المسيحيين وكما يوم السبت عند اليهود هو يوم مقدس. في بعض الدول الإسلامية بما في ذلك إيران فإن يوم الجمعة هو يوم عطلة, والإيرانيين وكما سائر المسلمين في باقي أنحاء العالم يشاركون بصلاة الجمعة. واستناداً إلى التاريخ الإسلامي فإن إقامة صلاة الجمعة كان أمراً تقليدياً دائماً يُقام في كل يوم جمعة منذ زمن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. حيث كانت تُستخدم أيام الجمعة لجمع الناس في المجتمع الإسلامي ليشاركوا بعضهم البعض في المسائل والأمور المحلية والدولية في كل زمان. ولكن تاريخ صلاة الجمعة في طهران ليس قديماً. فبعد سنوات من منعها في ظل الحكم البهلوي ومع إنتصار الثورة الإيرانية عاد هذا التقليد الإسلامي ليتم إحياؤه من جديد وبشكل رسمي في العام 1979م ولم يتوقف أبداً منذ ذلك الحين. خلال الحرب العراقية الإيرانية وما تلاها بعد ذلك لم تكن صلاة الجمعة فقط عبارة عن طقس ديني يقوم به الناس بشكل إسبوعي وحسب, بل كانت أيضاً مكاناً لإظهار الوحدة والتضامن مع الثورة والجنود وللإحتجاج على الحروب والعقوبات المفروضة. غالباً ما تكون الخطب سياسية وتتناول المسائل الداخلية والخارجية. يقوم إمام الجمعة عادة وأثناء الخطبة بحمل بندقية كرمز للمقاومة ضد الشيطان وشرور العالم, وكذلك لإيصال رسالة مضمونها الوقوف ضد الظالمين والطغاة في العالم ولو كان ذلك بملابس الصلاة.

 

أول صلاة جمعة رسمية في طهران

لماذا أقوم أنا هنا بالكتابة عن صلاة الجمعة؟ إن الدين هو جزء مهم في الثقافة الإيرانية. في أيامنا هذه يقوم الآلاف والملايين من المواطنين الإيرانيين بغض النظر عن سطحهم الإجتماعي ومكان إقامتهم بالمشاركة بصلاة الجمعة من كل  إسبوع وخاصة تلك التي يأُمها المرشد الأعلى للثورة الإسلامية فهي الأكثر ازدحاماً. مع أن صلاة الجمعة في أيامنا الحالية تُقام في كل مدينة في إيران إلا أن صلاة جمعة طهران كانت أكثرها أهمية من البقية لكونها بمثابة رمز تُقام في مكان هام وذو دلالة. من شهر فبراير شباط 1978م وحتى شهر سبتمبر أيلول 1979م  حيث عُقدت أول صلاة جمعة رسمية في طهران كان هناك أيضاً صلاوات تُعقد هنا وهناك, وكان معظمها يُقام في الجامعات.

الناس تستمع للخطبة

خلافاً للمدن الدينية فمدينة طهران تُعاني نقصاً في المساجد الكبيرة لإستيعاب مناسبات بضخامة صلاة الجمعة. إلى جانب ذلك فإن الكثير من الثوار الشباب كانوا في الواقع من طلاب الجامعات, حيث كان ذلك وسيلة لإظهار الوحدة بين رجال الدين وطلاب الدراسات العصرية في الفترة التي تلت الثورة. لهذا السبب تم عقد أول صلاة جمعة في قاعة شاسعة في جامعة طهران وهي الجامعة العصرية الأقدم التي تم إيجادها في إيران وكانت معروفة في ذلك الزمن بكونها مركزاً للمعرفة والبحوث. كما كان لجامعة طهران نصيب كبير في الثورة, فقد كانت الكثير من الإحتجاجات والمظاهرات التي تخرج ضد الحكم البهلوي تتخذ من جامعة طهران مكاناً لإنطلاقها وكانت تستمر حتي ساحة الحرية (ميدان آزادي).

الشارع المطل على جامعة طهران تمت تسميته بشارع “انقلاب” والذي يعني بالفارسية “الثورة”. (سأكتب عن هذه الجامعة في مقالٍ آخر)

الحشد في صلاة الجمعة بإمامة المرشد الأعلى

مكان عقد صلاة الجمعة في طهران ما زال في مكانه على الرغم من هناك مُصلى كبير قيد الإنشاء (جامع كبير). شارع الثورة أيضاً (خيابان انقلاب) كما تلك الأيام مازال ينبض بالحياة مع وجود اختلاف هو أنه في يوم الجمعة يصبح أشبه ما يكون بشارع مكتظ بالمشاة. فالناس يذهبون إلى هناك جنباً إلى جنب مع أسرهم وأصدقائهم لأداء واجبهم الإسلامي. بعد إنتهاء الصلاة, وعلى جانبي الشوارع القريبة يقوم البائعون الجوالون بفرش بضائعهم إستعداداً لملاقاة الناس العائدين من الصلاة المتوجهين نحو سياراتهم أو نحو وسائل النقل العامة. البضائع المتوفرة للبيع متنوعة للغاية,  كتب مستعملة للبيع, حجابات وأغطية رأس إسلامية, أو حتى بعض الأشياء التزيينية البلاستيكية الصغيرة. وإن لم يقم أحد بالإحتجاج بعد ذلك, يقوم بعض الناس بالتوقف للتفاوض مع الباعة في الشوارع. وبعضهم الآخر يقوم بالإستفادة من وقته بالذهاب إلى حديقة “لالِه” التي تقع على الجانب الآخر من شارع “كارغر شمالي” للإستمتاع بيوم العطلة مع الأسرة والأصدقاء فيقومون إما بإعداد الشواء هناك أو بتناول وجبة خفيفة. وتعود الحياة إلى شارع الثورة (خيابان انقلاب) من الآن  وحتى يوم الجمعة القادم وموعد صلاة الجمعة القادمة إلى ما كانت عليه من حركة مرورية وحالة إزدحام روتينية.

مشاركون سنة في صلاة الجمعة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *


*

 

Subscribe to Website via Email

Membership
A member of the Professional Travel Bloggers Association