الفريق الوطني الإيراني لكرة القدم: عينة مُصغرة من المجتمع الإيراني

مهدية جهانغير * – على أحد الأرصفة كان هناك رجلٌ مشغولٌ برسم وجوهٍ للأطفال والكبار مستخدماً ألوان العلم الإيراني الثلاثة في الوقت الذي كان فيه عشرات الأشخاص يُلوحوّن بالأعلام الإيرانية في كل زاوية من الشارع. كما قامت كذلك مجموعة من الشباب بإنشاء حاجز بشري تقوم بفتح الطريق والسماح للسيارات بالمرور بشرط أن يقوم أصحاب السيارات أنفسهم بالسماح لهؤلاء الشباب بأن يكتبوا بالبخاخات على الجزء الخلفي من السيارة كلمة “إيران”. كان الحشد يهتف: “إيران, إيران! البرازيل نحن قادمون”.

كانت الأشياء الجيدة تتوالى في هذا البلد واحدة بعد الأخرى, ففي هذا الأسبوع قام الإيرانيون بالنزول إلى الشارع مرتين, مرةً نتيجة لمشاركتهم بنسبة 74% في الإنتخابات الرئاسية الحادية عشر وفوز حسن روحاني, والمرة الثانية كانت في يوم الثلاثاء نتيجة تأهل الفريق الوطني الإيراني لكرة القدم للمشاركة ببطولة كأس العالم 2014 التي ستُقام في البرازيل. فقد فازت إيران في المباراة التي جمعتها في المجموعة A مع منتخب كوريا الجنوبية بهدف مقابل لا شئ ولتتربع إيران بذلك على صدارة هذه المجموعة الآسيوية. الناس في تلك الليلة بقوا لساعات طويلة في الشوارع قبل أن يقرروا بالنهاية الذهاب لمنازلهم. كان الإزدحام شديداً وحركة المرور ثقيلة جداً في أكثر الشوارع الرئيسية ولكن لم يكن أحد قلق أو غير مرتاح لذلك, فالوجوه كلها كانت سعيدة وفَرِحة.

فتجمع الناس في الشوارع بشكل جماعي هنا في إيران ليس مشهداً غير مألوف. فالإيرانيون يحبون أن يقيموا إحتفالاتهم السياسية والدينية في الشوارع. ومع ذلك فقد عُقدت مثل هذه التجمعات والإحتفالات في الشوارع ثلاث مرات في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية حيث كانت فقط وفقط إحتفالاً بإنتصار المنتخب الوطني لكرة القدم وتأهله لنهائيات كأس العالم. الإيرانيين مشجعين غيورين ويفتخرون بمنتخبهم الوطني. لهذا السبب فإنتصار أو هزيمة هذا المنتخب من الممكن أن تُفجر موجة من السعادة أو الكآبة بين فئات المجتمع. في الوقت الحالي كرة القدم إلى جانب المناسبات الدينية والسياسية هي الأسباب الرئيسية التي تستطيع أن تؤدي لمثل هذه التجمعات والإحتفالات. كما أنه وفي أكثر الأوقات تكون هذه الإحتفالات مزيج من كل ما تم ذكره, ففي الإحتفال الذي جرى بمناسبة إنتصار الفريق الوطني الإيراني لكرة القدم قام الناس بإطلاق الهتافات الدينية مع بعض من الحماسة والإندفاع السياسي!

فمثلاً في تصفيات كأس العالم 1988 وفي المباراة الفاصلة التي جرت في تشرين الثاني نوفمبر من العام 1997م استطاع خداداد عزيزي إحراز هدف التعادل في المباراة التي جمعت المنتخب الإيراني مع نظيره الإسترالي وبذلك استطاعت إيران التأهل لنهائيات كأس العالم فرنسا 98. الفريق الإيراني والذي كان متأخراً بهدفين مقابل لا شئ إستطاع إحراز هدفين سريعيين في مرمى الفريق الخصم ويترقى بأدائه ويتأهل. هذه المباراة التي ينظر إليها أكثر الاستراليين على أنها أكثر اللحظات مأساويةً في تاريخ الرياضة لبلدهم, هذه المباراة التي تسببت بفرحٍ وبسعادة عارمة لا نظير في الشوارع, وليقوم الشعب الإيراني مرة أخرى بالإثبات أنه شعب لا يمكن التكهن به.

مثالٌ آخر هو عند إنتصار المنتخب الإيران في تصفيات كأس العالم ولكن خمنوا ضد من؟ فازت إيران على الولايات المتحدة الأمريكية بهدفين لإستيلي ومهدوي كيا مقابل هدف واحد. حظيت هذه المباراة بالكثير من الإثارة بسبب الصراعات السياسية على المدى الطويل بين حكومتي البلدين والإختلافات في الموقف السياسية لكل من البلدين إبان إنتصار الثورة الإسلامية الإيرانية. قام الفريقان بإستقبال بعضهما بالهدايا والورود في عمل يشير إلى أن الفريقين كانا يسعيان لإقامة مباراةٍ نظيفة وعادلة وفي إشارة إلى أن السياسة لن تدخل الساحة الرياضية. ومع ذلك, فإن هذا النصر كان بالنسبة للإيرانيين نوعاً من الإرتياح, فالشعب الإيراني وبعد سنوات من العقوبات والحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران إعتبر هذا الإنتصار نوعاً من الإحتفال الوطني والسياسي. وقام الإيرانيون مرة أخرى بإطلاق العنان لأبواق سياراتهم ورقصوا في الشوارع.

الإنتصار الأخير كان في 18 حزيران يونيو 2013م والذي هزمت فيه إيران كوريا الجنوبية بهدفِ دون مقابل ضمن التصفيات المؤهلة لنهائيات كأس العالم. يرى البعض أن تعليقات مدير الفريق الكوري الجنوبي تشوي كانغ هي الاستفزازية شجعت المنتخب الإيراني لأن يلعب بروحية أعلى ويقوم بكسب نقاط المباراة الثلاث كاملةً. حيث كان قد تهجم على الفريق الإيراني وقال بأنه على إستعداد لأن يقوم بأي شئ للفوز على إيران, ويساعد الفريق الأوزباكستاني ليكون ثاني المتأهلين لنهائيات كأس العالم, لأنه ومن وجهة نظره الشخصية فإن الفريق الأوزبكي يستحق التأهل أكثر من الفريق الإيراني. وكان مدرب المنتخب الإيراني لكرة القدم البرتغالي الجنسية كيروش قد أظهر رضاه من فوز المنتخب الإيراني على نظيره الكوري الشمالي وغضبه من تصريحات تشوي واصفاً إياها بغير المهنية. بالتأكيد فإن كيروش وبعد هذا النصر جعل من نفسه بطلاً قومياً عند الإيرانيين.

الشعب الإيراني يهتم دائماً بأن يقدم للعالم صورة إيجابية عن نفسه, وربما وبسبب هذا الأمر فإن وسائل الإعلام دائماً ما تكون غير عادلة ونمطية في طريقة تعاطيها مع المسائل والقضايا التي تخص إيران, وربما هذه المسألة أيضاً هي أحد الأسباب التي تجعل الشعب الإيراني متحد مع بعضه البعض في الحزن والفرح. فالمنتخب الوطني الإيراني لكرة القدم في الحقيقة هو ممثل عن كامل المجتمع الإيراني وعينة صغيرة منه, فاللاعبون يأتون من جميع أنحاء البلاد من خلفياتٍ دينية وعرقية مختلفة والذي يُعتبر دليلاً على الوحدة الوطنية في إيران البلد متعدد القوميات والمذاهب والثقافات. سواء أكانوا من مؤيدي الفريق الأزرق أو الأحمر أو الأخضر أو الأصفر أو غيرها من الفرق المحلية الأخرى فإن الإيرانيين جميعاً في داخل البلد وخارجه عندما يتعلق الأمر بمنتخب بلادهم الوطني يجتمعون تحت علم إيران ويشجعون منتخبهم الوطني.

“هذا الاسبوع هو اسبوع إيران”,  هذا ما قالته لي فتاةٌ صغيرة كانت ممسكةً علم إيران بيدها. وكردة فعلٍ على تأهل المنتخب الإيراني, تماماً وكما حدث في الإنتخابات الرئاسية مباشرةً وبعد إطلاق الحكم صافرة النهاية معلناً نهاية اللعبة خرج الملايين من الإيرانيين في كافة أنحاء البلاد مُظهرين حُبهم وعشقهم للوطن. حيث إندلعت الإحتفالات في الشوارع وعلت أصوات أبواق السيارات وغنى الجميع وصفق ورقص رجالاً ونساءً, هذه هي السامبا ولكن هذه المرة على الطريقة الإيرانية.

* مهدية جهانغير هي مُدونة وكاتبة مقالات إيرانية على الإنترنت وناشطة في وسائل الإعلام الإجتماعية ومديرة مشروع الحلم بإيران (Dream of Iran)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *


*

 

Subscribe to Website via Email

Membership
A member of the Professional Travel Bloggers Association