متحف مقدم في طهران: البيت الأكثر قيمة في العالم

كل هذا الإزدحام والضجيج الشديد أطراف ساحتيّ الإمام الخميني وحسن آباد في مدينة طهران جعل من الصعب على المرء أن ينتبه لوجود باب هذا المتحف الفريد من نوعه في شارع الشيخ هادي. وفقاً لوكالة مهر للأنباء فإن متحف مقدم ومع وجوده ضمن هذا الإزدحام فإنه ورغم كل شئ وبمجرد أن تخطو قدمك عتبة مدخل البيت المتعرج الردهةًفإنك ستنسى على الفور ضجيج حياتك اليومية التي تعيشها بشكل روتيني, فجدران هذا البيت الذي يُعرف الآن بأكثر بيوت العالم قيمة لا تسمح لكل هذه الضجة بالتسلل لداخله.

أصبح هذا البيت يُعرف على هذا النحو في خمسينيات وستينيات القرن الماضي عندما قام البروفسور ومؤرخ الفن الأمريكي بوب بنشر مقالة تحت عنوان مرور على الفنون الإيرانية بمجلة أبيض وأسود (سپید و سیاه) حول هذا البيت الفريد والأشياء التاريخية النفيسة التي يحتويها. يعود هذا البيت لمحسن مقدم أصغر أبناء احتساب الملكوالذي كان والياً في عهد الشاه ناصر الدين.

أحب محسن الرسم منذ الطفولة ودرس فن الرسم في مدرسة كمال الملك. حتى أنه بالإمكان مشاهدته ضمن اللوحات المشهورة لكمال الملك والتي كان قد رسم فيها صَفَهُ المدرسي. بعد ذلك وفي وقت لاحق تم إرسال محسن مع شقيقه حسن إلى سويسرا لدراسة الرسم. عاد محسن مقدم إلى إيران خلال الحرب العالمية الثانية إلا أنه سرعان ما غادرها مرة أخرى لكن هذه المرة لدراسة التاريخ وعلم الآثار. وبمجرد عودته إلى الوطن بدأ محسن بالتنقل مع مجموعات علماء الآثار ضمن مواقع أثرية مختلفة مثل ديلمانوشوشكمشرف وناظر على عملهم.

محسن مقدم كان واحداً من أوائل علماء الآثار الإيرانيين الذين كانوا قد عملوا مع كبار المتخصصين في هذا المجال في الكثير من المواقع التاريخية. كما قام بتأسيس كلية الفنون الجميلة إضافة لقيامه بالتدريس في جامعة طهران. وكان إلى جانب زوجته الفرنسية قد قررا تكريس حياتهما لإقامة متحف لجمع الأشياء القيمة الآيلة للتخريب. هذين الزوجين اللذين عاشا في مبنى مقدم قررا ألا ينجبا أطفالاًً أبداً وعوضاً عن ذلك أخذوا على عاتقهم المحافظة على هذه الأشياء التاريخية في منزلهم للأجيال القادمة والإهتمام بها وكأنها أولادهم.

يُعرف هذا المنزل الآن بمتحف مقدم والذي يُعتبر واحداً من أفخم بيوت الفترة القاجارية حيث يتكون من قسمين عادة ما توجد في البيوت الإيرانية القديمة, قسم خارجي (الجناح العام) وقسم داخلى (الجناح الخاص). بالإضافة لباقي الأجزاء الفريدة المكونة لهذا البيت المهيب, كما أننا نستطيع مشاهدة بعض اللوحات الآجرية القيّمة ذهبية اللون والتي كان محسن مقدم ومن أجل المحافظة عليها قد ثبتها في مكان مناسب على الجدران, بعضها ومن دون أدنى شك لا نظير لها في العالم على الإطلاق.

كما أن مجموعة المنسوجات في متحف مقدم تعتبر أيضاً من بين مجموعات التحف النادرة في العالم. هذه المجموعة محفوظة في وقتنا الحاضر بشكل مُجمّد داخل هذا البناء وفقط واحدة من هذه المجموعة تم وضعها ضمن إطار زجاجي ومعروضة للعموم. هذا بالإضافةً لكل الأبواب والجدران المزخرفة والمُزينة التي يمكن مشاهدتها في هذا البناء الرائع, هناك أيضاً غرفة صغيرة بجانب الباب المؤدي للطابق السفلي وقد تم تزيين كامل أبوابها وجدرانها بالأحجار الكريمة الثمينة والنفيسة إضافة للمرجان الرائع.

يَذكر محسن مقدم في مذكراته كيف حصل على هذه الأشياء التي تُعتبر من أكثر الأشياء التاريخية قيمة والتي هي حالياً معروضة على العموم, وكيف أنه قام بشرائها من الباعة أو من أصحاب المنازل الذين كانوا يرغبون بتدمير منازلهم التاريخية مع كل ما بداخلها. كذلك وبالنسبة للأشياء الأخرى التي كان يتم تهريبها خارج البلد بطرق غير شرعية أو تلك الأشياء التي يتم تداولها من شخص لآخر في البلدان الأجنبية فقد قام مقدم وبالإستعانة بما يملك من ثروة كان قد ورثها بشراء تلك الأشياء ليقوم بحفظها أو إعادتها ثانيةٍ لإيران.

على أي حال فبعض هذه الأشياء التاريخية قد تم إعطاؤها لمقدم بعنوان هدايا من قبل السفراء الأجانب أو الضيوف, كتلك التي يُعتقد أنها تعود لبيت المقدس. وهناك بعض الأشياء أيضاً كصحون ششمه علي” (Cheshmeh Ali) الفخارية الحمراء التي تعود للألفية الخامسة قبل ميلاد السيد المسيح والتي لها قيمة كبيرة للغاية ولا أحد يعلم كيف وجدت طريقها إلى هذا البيت. والتي من المقرر أن تتم عليها المزيد من الدراسات من قبل إدارة متاحف جامعة طهران التي تقوم الآن بالإشراف على هذا المتحف.

قام مقدم في العام 1972م بتخصيص بيت العائلة هذا وجعله وقفاً لجامعة طهران, وغادر هذا العالم في العام 1982م. بعد وفاته بقي هذا المنزل تحت وصاية ومراقبة زوجته ورفيقة دربه والتي قامت بتسليمه لجامعة طهران في العام 1990م. تم افتتاح هذا المتحف للعموم في شهر آب أغسطس سنة 2009م وذلك بعد الإنتهاء من أعمال الترميم اللازمة.

* النص والصور تم أخذها مع بعض الإضافات والتعديلات من مجلة طاووس الفنية, المجلة الإلكترونية الصادرة عن مؤسسة نشر الفن الإيراني والتي أسسها ويوجه سياساتها السيدة منيجة ميرعمادي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *


*

 

Subscribe to Website via Email

Membership
A member of the Professional Travel Bloggers Association