من أعالي ماسولة: بلدة في أحضان الضباب

مهدية جهانغير * – من على شرفةٍ خشبية ومن خلف الأزهار الموضوعة هناك كان الرجل العجوز مشغولاً بمشاهدة الناس التي كانت تمر من خلال الباحة المحيطة بمنزله. كانت ضجت السيارات تُسمع من مكانٍ بعيد إذ أنه لم يكن يُسمح للدراجات النارية بالتواجد أوالعبور من هنا. كنت أعلم ذلك, فمنذ سنوات عديدة عندما كنت طفلة كنت قد جئت إلى هذا المكان, لم يكن لديّ صورة واضحة عن الأشياء التي كنت قد شاهدتها في ذلك الوقت, حيث أن “ماسولة” لم تكن في ذلك الحين منطقة معروفة كمكان سياحي حيث كُنا قد سافرنا إليها بعد الفيضانات التي كانت قد إجتاحت المنطقة وحولتها إلى منطقةٍ موحلة. بعد ذلك لم أذهب إلى هناك حتى وقتٍ قريب عندما قررت الذهاب لهناك من أجل تعريف المحافظة التي ولدت فيها لصديقتي الطاجيكية.

My tajik friend in traditional Gilaki costume / Photo: Madi Jahangir

صديقتي الطاجيكية وهي مرتدية اللباس التقليدي الجيلكي (الخاص بمحافظة جيلان)/ تصوير: مهدية جهانغير

قمنا بالسير حوالي 20 كيلومتر بعيداً عن “فومن” ضمن الغابات الكثيفة التي ملئها الضباب بشدة. عندما وصلنا لم يكن الضباب قد زال بعد. كانت السيارات قد إصطفت لدخول موقف السيارات مما أدى لخلق إزدحام مروري خانق. لذلك قمنا بإيقاف السيارة في مكانٍ ما قبل مكان الإزدحام ثم قمنا بالترجل من السيارة والمشي مسافة قصيرة حتى وصلنا إلى لوحة في الطرف الآخر من النهر كُتب عليها “أهلاً وسهلاً بكم في بلدة ماسولة التاريخية! البلدة التاريخية والسياحية”.

Wooden window in Masouleh / Photo: Madi Jahangir

نافذة خشبية في ماسولة/ تصوير: مهدية جهانغير

وإن كان قد تم الإشارة لأن هذه المدينة قد تم بناءها في العام 10 قبل الميلاد إلا أن المدينة أقدم من ذلك بكثير. فقد تم بناء أول قرية فيها منذ حوالي العام 1006 قبل الميلاد في مكان يبعد حوالي 6 كيلومتر في الجهة الشمالية الغربية من المدينة الحالية بإسم “ماسولة القديمة”. وبرواية السكان المحليين فإن السكان وفي ذلك الوقت قد قاموا بالمجئ والإنتقال إلى المدينة الحالية بسبب هجمات المناطق المجاورة. هذه البلدة كانت في يومٍ من الأيام واقعة على طريق الحرير, طريق التجارة الشهير. كما أن الغابات تغطي هذه البلدة وتنعم بهطول الأمطار السنوية حالها في ذلك كما حال بقية المناطق في محافظة جيلان, كما أن نهر ماسولة رودخان يمر من خلالها.

Masouleh in the mist / Photo: Madi Jahangir

ماسولة في قلب الضباب/ تصوير: مهدية جهانغير

عبرنا النهر لنصادف أول طريقٍ مُدرج, حيث كانت هذه البلدة قد بدأت بإظهار جمالها شيئاً فشيئاً. هذه البلدة الجميلة التابعة لمحافظة جيلان بتعداد سكان قليل تم بناء بيوتها بشكلٍ منحدر حيث أن كل باحة لأي منزل هي بمثابة سطح لمنزلٍ آخر. في الحقيقة فإن باحة المنزل وسطحه يمكن إعتبارها على حدٍ سواء كطريقٍ للمشاة ويلعب دور الشارع. ببساطة يمكننا القول أن باحة المنازل التي في الأعلى هي أسطح للمنازل التي في الأسفل.

A hotel for teachers in Masouleh / Photo: Madi Jahangir

فندق للمعلمين في ماسولة/ تصوير: مهدية جهانغير

لعل هذه المدينة هي الوحيدة في إيران التي لا يُسمح للدراجات النارية بالمجئ إليها أو العبور من خلالها وذلك نتيجةً لطبيعة المكان وتضاريسه الفريدة من نوعها. فالأزقة الصغيرة والأدراج الضيقة لا تسمح للسيارات بالعبور من خلالها بهذه البساطة.

في طريقنا إلى السوق الرئيسي في البلدة كان هناك العديد من محلات التصوير حيث كانوا قد وضعوا العديد من الأزياء الشعبية الجيلكية للإيجار في المكان إضافة للكثير من الزينة والزخارف الجميلة هنا وهناك, حيث كان بإستطاعة الناس إرتدائها وإلتقاط الصور التذكارية.

Photo house / Photo: Madi Jahangir

محلات التصوير/ تصوير: مهدية جهانغير

على الرغم من أن المحلات الصغيرة تبدأ بالظهور من بداية الطريق إلا أن السوق الرئيسي في وسط البلدة هو مركز التجارة. حيث تستطيع أن تجد هناك محلات الحلويات إضافة للمخابز ومحلات البقالة ومحلات صنع السكاكين والمنتجات الجلدية والأعمال الفنية ومتاجر الحرف والأعمال اليدوية كذلك محلات البقالة وبيع الأطعمة والمقاهي.

عادةً ما يتم مشاهدة النساء العجائز وهنّ جالسات على عتبات منازلهن مشغولات بالحياكة أو بالدردشة مع الجيران. أبواب هذه البيوت دائماً تكون مفتوحة على مصراعيها وقد تدلت من على جدرانها الدمى المعقودة والجوارب الملونة وغيرها من الأعمال اليدوية الخاصة للبيع. كذلك فإن ضريح حفيد النبي المعروف بإسم عون بن علي يُعتبر مسجد المدينة.

Knotted Dolls for sale in Masouleh / Photo: Madi Jahangir

دُمى معقودة للبيع في ماسولة/ تصوير: مهدية جهانغير

كنتُ في الواقع أتمشى على سطح المسجد عندما شاهدت الرجل العجوز, لا أحد إستطاع ملاحظته من خلف الأزهار الموجودة على شرفة منزله. من بعيد طلبت منه الإذن بأن أقوم بتصويره مشيرةً إلى كاميرتي, حيث قام بالإبتسام والإيماء برأسه موافقاً على الفكرة. فقط بعد ذلك لاحظ مجموعة من الناس كانوا يصعدون الدرج مشروع إلتقاط الصورة هذه, إستغرق الأمر بضع ثواني حتى كان حشد من الناس قد تجمع حول البيت مع كاميراتهم وهواتفهم النقالة للقيام بإلتقاط الصور لذلك الرجل العجوز. بدا على الرجل العجوز القليل من الإنزعاج عندما شاهد كل أولئلك الناس وقد توجهوا نحوه بشكلٍ مفاجئ والبدء بأخذ الصور والتعامل معه وكأنه شئ سياحي!

Mosque and shrine / Photo: Madi Jahangir

المسجد والضريح/ تصوير: مهدية جهانغير

في الحقيقة فقد شعرت قليلاً بالذنب وأحسست أنني قد قمت بتعكير صفو لحظات ذلك الرجل العجوز على شرفته الجميلة, لكنه بعد ذلك ذهب الرجل العجوز للداخل وليعود بعد عدة دقائق مع وعاء مملوء بالماء ويبدأ بسقاية الأزهار الموجودة على شرفته بهدوءٍ وعناية ليقوم بتشتيت إنتباهه عن الناس الذين كانوا يمرون من أمام باحة منزله والكاميرات التي كانت تقوم بتصويره. على أي حال وبعد كل شئ فماسولة لم تعد تلك البلدة المجهولة القابعة بسلام على مرتفعات سلسلة جبال البرز, فقد تحولت هذه البلدة الآن لبلدة سياحية مزدهرة ومزدحمة تقوم بجلب الآلاف من السياح الإيرانيين ومن شتى أنحاء العالم بشكل سنوي, مما أدى وبشكل مباشر لتحسن الأوضاع بالنسبة للسكان المحليين, كما أن الناس في ماسولة قد حافظوا على بلدتهم نظيفة ومن دون تغيير, وما زالت ماسولة مثال على تجلي التناغم والإنسجام بين الإنسان والطبيعة, ولكن كان للسياحة على أي حال بعض العواقب والآثار الجانبية.

Old man on the wooden balcony / Photo: Madi Jahangir

الرجل العجوز على شرفته الخشبية/ تصوير: مهدية جهانغير

ماسولة لم تعد بعد الآن تلك البلدة الجميلة الضائعة في أحضان الغابات الكثيفة والتائهة ضمن الضباب. بالتأكيد مازال لديها جمالها وطبيعتها الخلابة, ولكن لم يعد للهدوء السابق وجود. ويبدو أن الجميع هنا في ماسولة قد إعتاد وتأقلم مع هذا الواقع الجديد, وهذا أيضاً ما فعله الرجل العجوز من على شرفته الخشبية.

* مهدية جهانغير هي رئيسة تحرير موقع الحلم بإيران (Dream of Iran)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *


*

 

Subscribe to Website via Email

Membership
A member of the Professional Travel Bloggers Association