النصف من شعبان: عيد للثقافة والإيمان

مهدية جهانغير – مجموعة من الشباب مشغولة بتوزيع الأطعمة والمشروبات في الشوارع, لقد كانوا يوزعون أكواب العصير والحلوى على السيارات المارة من هناك ويقولون لهم: “دهانتان را شیرین کنید!” (أي: حَلّو أفواهكم!). فاليوم وطبقاً للتقويم الإسلامي يصادف الخامس عشر من شعبان, الإيرانيون يحتفلون بهذا اليوم الذي يصادف يوم ولادة الإمام المهدي ‹عج› (الإمام الثاني عشر عند المسلمين من أتباع المذهب الشيعي).

 

فكلمة المهدي وطبقاً للعرف الإسلامي تعني ذلك الشخص الذي سيأتي في آخر الزمان جنباً إلى جنب مع النبي عيسى عليه السلام بعنوان مخلص ومنقذ للبشرية قد تم الإشارة إليه في الكثير من الأديان ليقوم بهداية الناس إلى طريق الرشد والصلاح وليملأ الأرض نوراً وعدلاً. فثقافة المهدي موجودة عند كُلٍ من المكتبين الشيعي والسني على الرغم من وجود بعض الإختلاف في الروايات بينهما.

النصف من شعبان هو واحد من أهم المناسبات التي يُحتفى بها وبشكل واسع في إيران, ففي كل عام تُقام على شرفها الكثير من الإحتفالات في جميع أنحاء البلاد. حيث يقوم الإيرانيون بتزيين الشوارع وإضائتها بالمصابيح, كذلك يقوم الناس في هذا اليوم بالتمتع بمشاهدة عروض الألعاب النارية وبخاصة تلك التي تُقام من على برج ميلاد في طهران والذي يُعد رابع أطول برج إتصالات في العالم. كذلك وفيما يتعلق بثقافة الإنتظار تُقام العديد من الحفلات الموسيقية كتلك التي تمت إقامتها هذا العام في مدينة تبريز.

 

يحتفل الإيرانيون في كل مكان من إيران بطرقٍ مختلفة. ففي اليوم الذي يسبق هذا العيد يقوم الناس في مدينة بيرجند في محافظة خراسان الجنوبية بزيارة المقابر, حيث يُسمى هذه الرسم بـ “چراغ برات” (أي: مصباح لأجلك), حيث يقومون بغسيل رخام القبور, إضاءة الشموع وتلاوة القرآن. كذلك يقوم الكثير من الإيرانيين بالذهاب لمسجد جمكران والذي يقع في ضواحي مدينة قم حيث يُعد أحد أماكن الزيارات المشهورة لدى الشيعة ويولونه أهمية خاصة. أما في مدينة يزد, فيُقام هذا العيد بطرقٍ مختلفة, ومن بين تلك الثقافات والعادات المختلفة التي قام الإيرانيين بإدخالها على هذا الإحتفال فالناس في مدينة يزد لهم طريقتهم المميزة والخاصة.

 

تقع مدينة يزد في وسط إيران ومحاطة من جوانبها بالصحراء والبادية. فاليزديين وجيلاً بعد جيل قاموا بالتكيف مع نمط الحياة هذا وحولوا المدينة من الناحية المعمارية والعمرانية لمكانٍ جميلٍ جداً وفريدٍ من نوعه. ففي مدينة يزد من أجل الإحتفال بولادة الإمام الهدي عليه السلام ووفقاً للتقليد السائد هناك يقومون بتثبيت الثريات والمرايا في سوق الشاه غلام علي.

 

شهد سوق الشاه غلام علي أياماً أفضل في السابق, فقد كان هذا السوق في يومٍ من الأيام واحداً من أكثر المراكز التجارية شهرةً في مدينة يزد. ولكن في وقتنا الحاضر لم يعد لهذا السوق تلك الشهرة والشعبية التي كانت له في السابق, ولكن ومع ذلك فهو يصبح كثير الإزدحام في النصف من شعبان. فالناس يأتون لهذا المكان ليشاهدوا أصحاب المحال التجارية هناك في السوق وهم يعملون بجد, وليشاهدوا الثريات التي تتدلى من السقف القوسي للسوق, كذلك المرايا التي تم تثبيتها على جانبيّ الجدران ضمن إطارات خشبية. حيث تسمى هذه المراسم بـ “آينه بندي” (أي: تركيب المرايا).

تركيب المرايا في يزد له تاريخ طويل. فمدينة يزد ومع وجود الصحراء المحيطة بها بقيت محمية بشكل أو بآخر من الهجوم الثقافي الخارجي لداخلها, لذلك بقيت محفوظة وأقل تأثراً بالثقافات الخارجية. في الماضي كان تزيين الشوارع والطرق بالمرايا في معظم الأعياد والمناسبات أمراً شائعاً في مدينة يزد, إلا أنه وفي هذه الأيام لا يتم إلا لأجل الإحتفال بولادة الإمام المهدي عليه السلام.

 

على أي حال فهذه التزيينات لا تتم فقط في سوق الشاه غلام علي. فهناك مسجد معروف في شارع الإمام المهدي (عج) يُسمى بمسجد “صاحب الزمان”, ولهذا السبب يتم تزيين هذا الشارع بالمرايا والسجاد التي يقوم الأهالي بتأمينها لهذا الغرض. كذلك ومن بداية هذا الشارع وحتى نهايته يقوم الناس هناك بتوزيع الطعام والعصير للآخرين, كما أن هذا المكان في النصف من شعبان يصبح مزدحماً بشدة لدرجة أنه لا يُسمح للسيارات بالعبور من خلاله.

كذلك هناك شارع آخر يتم تزيينه بهذه المناسبة وهو شارع موسى بن جعفر, حيث يقع هذا الشارع على الطريق الدولي الذي يصل الشمال بالجنوب وتمرعبر هذا الشارع العديد من السيارات بهدف الدخول إلى المدينة أو الخروج منها. فعلى جانبيّ هذا الطريق يقوم الأهالي في كل عام تماماً وكما باقي الأماكن في إيران بإقامة مواقف خاصة يقومون فيها  بتوزيع الحلوى والعصير والشوكولا إضافة للحلويات التي تشتهر مدينة يزد بها بين الناس قائلين لهم: “حَلّو أفواهكم”. حتى وإن كانت هذه الجملة هي من إحدى التعابير الفارسية التي تندرج ضمن المجاملات الإيرانية ولكن ففي نهاية هذا اليوم تماماً كباقي الأعياد التي يقوم الإيرانيين خلالها بتوزيع الحلوى كنوعٍ من عاداتهم وتقاليدهم فالأفواه وبكل تأكيد سوف تتحلى.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *


*

 

Subscribe to Website via Email

Membership
A member of the Professional Travel Bloggers Association