شوش: متحف إيراني في الهواء الطلق

مهتاب تشهار طاقي * – قد يبدو أمراً جنونياً بنظر الكثيرين أن تقوم في أيام الصيف الحارة بزيارة لأختك الأصغر سناً  والتي تعيش في المنطقة الأكثر حراً في البلاد, ولكننا فعلنا ذلك!

كان لدينا ثلاثة أيام فقط من الوقت أما المسافة فكانت طويلة جداً. ومع ذلك قررنا السفر بالباص من طهران إلى الأهواز, قمنا بالحجز على الباص المنطلق في الساعة 08:30 صباحاً ,إنطلقنا في صباح يوم الإثنين السادس من شهر تير للعام 1390 هجري شمسي (وفق التقويم الإيراني المُستخدم) عاقدين العزم على السفر لهذه الأراضي القديمة والتي قد تكون مهد الحضارة الإيرانية ولربما العالمية أيضاً حاملين في أيدينا أربع تذاكر لكامل العائلة مع حقيبتي أمتعة.

وبعد 20 ساعة من السفر وصلنا أخيراً لمدينة شوش في صباح يوم الثلاثاء والتي تبعد حوالي 110 كيلو متر عن مدينة الأهواز, هذه المدينة التي تُلقب بالمدينة الإيرانية العتيقة والتي قد تكون أقدم مدينة في إيران وواحدة من أوائل المدن التي تم تأسيسها على وجه المعمورة مع حضارة يعود تاريخها لأكثر من 6,000 عام إضافةً لإحتضانها قبل ذلك لإنسان الكهوف.

لم تكن هذه هي رحلتنا الأولى إلى محافظة الأهواز إلا أنها هي المرة الأولى التي نقوم بالسفر إليها مع وجود الأطفال, لذلك قد تكون الرحلة مرهقة ومتعبة بعض الشئ ولكنني أعتقد أنه من الأفضل بالنسبة لأولادي أن يأتوا معنا هذه المرة فقد آن الآوان لأن يقوموا بالتعرف على تاريخ بلادهم وحضاراتها.

كانت محطتنا الأولى لهذه الرحلة هي مدينة شوش حيث بدأنا من هناك وإتجهنا بدايةً صوب مقام النبي دانيال, ولكن قبل ذلك قمنا بغسل وجوهنا بالماء وغيرنا ملابسنا ومن ثم قمنا بمد وجبة الإفطار على شاطئ نهر شاوور والذي يمر من جانب المقام وحظينا بوجبة إفطار سريعة وقسط من الراحة بعد هذه الرحلة الطويلة, لقد ساعدتنا نسائم الصباح التي كانت تهب من جانب النهر على الإسترخاء وبددت تعبنا.

دانيال هو واحد من الأنبياء الذين تم ذكرهم في الكتاب المقدس حيث عاش في بابل ومن ثم إنتقل إلى إيران, يُعد قبر النبي دانيال في يومنا الحاضر نقطة جذب شعبية بين المسلمين المحليين واليهود في المجتمع الإيراني على حدٍ سواء. يعود بناء مقام النبي دانيال بشكله الحالي إلى الحقبة القاجارية حيث يميل فن العمارة فيه إلى أنماط الفن التقليدية الموجودة في محافظة الأهواز, قبةٌ جميلة وبيضاء بلون السكر.

My children, I and tomb of Daniel / Photo: Mahtab Chahartaqi

أنا وأولادي أمام مقام النبي دانيال

 

بعد خروجنا من المقام إتجهنا مباشرة نحو مجموعة شوش التاريخية والتي تقع في منطقةٍ واسعة أمام مقام النبي دانيال والتي تحتوي على بقايا قصر آبادانا وقلعة أكروبوليس إضافة للتلال القديمة والمتحف وما تبقى من الطريق الملكي وغير ذلك. عندما يتحدث الناس عن تاريخ إيران وعظمة الحضارة الإيرانية فإنهم غالباً ما يذكرون الخامنشيان ومدينة برسبوليس (تخت جمشيد في شيراز) وقلما يذكرون أو يعلمون أنه هنا بين العشب وتحت أشعة الشمس المحرقة هناك  حضارةٌ قديمة باتت الآن متروكة ومهجورة لا يأبه أحد لما قد يحصل لها.

سر ستون کاخ آپادانا

أحد الأعمدة في قصر آبادانا – تصوير: مهتاب تشهار طاقي

 

لقد كانت هذه الأنقاض في يومٍ من الأيام قصراً عظيماً للغاية حيث تم وبأمر من داريوش الأول (خليفة وصهر كوروش) تشييد الجدران والأعمدة وتم وصل هذه المدينة من خلال الطريق الملكي لأكثر المدن أهمية في العالم القديم ولتصبح شوش بعد ذلك عاصمة الخامنشيان الصيفية.  لقد تعرض هذا القصر للتخريب في عهد اردشير الأول على إثر حريق ولكنه سرعان ما تم ترميمه في عهد اردشير الثاني, وبقي كذلك حتى مجئ الإسكندر المقدوني ودخوله إيران حيث تم إحراق القصر من جديد وبقي بعد ذلك لسنوات مدفوناً تحت الأرض.

قلعه آکروپولیس

قلعة أكروبوليس – تصوير: مهتاب تشهار طاقي

 

بعد ذلك وفي عهد القاجاريين جاء إلى المنطقة بعض من علماء الآثار الفرنسيين برئاسة جان جاك ليستطيعوا إنتشال بعض القطع الأثرية من تحت الأرض وليتم بعد ذلك وضعها في متحف اللوفر في فرنسا وتزيينه بهذه التحف التاريخية الإيرانية, هذه القطع الأثرية التي لا يمكن إيجاد قطع تماثلها نفاسةً في أي مكان. هذه القلعة التي بُنيت على تلة أكروبل و تشبه إلى حدٍ كبير نمط البناء في قلاع القرون الوسطى مع بعض اللمسات والإضافات من الحضارات العيلامية والأخمينية والساسانية والإسلامية.

بعد أن قمنا بزيارة المنطقة المحيطة بالقلعة (حيث لم تكن زيارة القلعة متاحة للعموم) إتجهنا إلى متحف شوش لنقوم بإلقاء نظرة عن قرب على الأشياءالثمينة الموجودة فيه, ولعل أجمل ما كان يحتويه المتحف كانت تلك القطع الفخارية والزخارف وما تضمنته من تصاميم ورسوم مختلفة كالأسد ذو الأجنحة والأزهار حيث كانت هذه القطع تعود لجدران قصر آبادانا الداخلية, لم يكن يُسمح لنا بإلتقاط الصور هناك وإلا لكنت وضعت صوراً لها هنا لتتمكنوا من مشاهدتها. بعد أن فرغنا من زيارة المتحف قمنا بجولة في متحف الهواء الطلق قي المكان الذي يتم وضع التماثيل النفيسة جداً داخل أقفاص زجاجية ليتسنى للجميع مشاهدتها, من بين تلك التماثيل النفيسة كان هناك تمثال للملكة نابير آسو يعود لحوالي 3400 عام مضى إضافة لباب تابوت يعود للعهد الفارسي القديم.

بعد أن إنتهينا من إستكشاف المتحف إنضمت إلينا أختي سارا يرافقها زوجها وأمي الذين كانوا قد قدموا لتوهم من الأهواز لنواصل سويةً جولتنا في المكان ولنتوجه إلى معبد شوغا زانبيل والذي يبعد عن شوش حوالي 35 كيلو متر.

با فامیل در چغازنبیل

مع أختي ووالدتي في شوغا زانبيل – تصوير: مهتاب تشهار طاقي

 

أول مرة سمعت بها بإسم شوغا زانبيل كانت في المتحف الوطني الإيراني على التماثيل والمقتنيات الأثرية المستخرجة من تحت التراب. كنت متلهفة ومتحمسة جداً لمعرفة ما هو شوغا زانبيل وكيف يكون ليتمكن من  إحتواء كل هذه المقتنيات النفيسة, حتى تمكنت اليوم في نهاية الأمر من مشاهدته والتعرف عليه, حتى أنه ومن شدة الإثارة التي تملكتني وشعرتها بداخلي صرخت لمجرد رؤيتي لجدرانه من بعيد ونحن داخل السيارة.

چغازنبیل

شوغا زانبيل

 

شوغا زانبيل عبارة عن كلمتين, شوغا وتعني التلة, وزانبيل وتعني السلة أو الزنبيل أي التلة زنبيلية الشكل. لقد تم بناء هذا المجمع الطيني قبل حوالي 3200 عام مضى بأمر من الملك العيلامي لتكريم إثنين من الآلهة العظام هما نبيريشا و اينشوشينك. إضافة لوجود لوحة طينية كُتب  عليها بالخط المسماري أنه من يقوم بإلحاق الأذى بهذا المعبد فإن الآلهة ستقوم بلعنه.

حيث قام الملك الآشوري آشور بانيبال لاحقاً أثناء حملاته بإلحاق الكثير من الضرر بهذا المعبد ليتم دفن هذا المعبد الضخم جنباً إلى جنب مع آلهته لفترة طويلة من الزمن حتى فترة حكم البهلوي الثاني قبل مئة عام عندما تم العثور في ذلك المكان على بعض القطع الآجرية والألواح الطينية المكتوب عليها بالخط المسماري ولتبدأ بعد ذلك عمليات الحفر والتنقيب ليتم إيقاظ هذا المَعلم العظيم والذي كان قابعاً لفترةٍ طويلة تحت التراب.

حتى هذه اللحظة بإمكانك رؤية آثار حضارتنا العظيمة وتتبعها على جدران هذا المعبد وزواياه, على حجارته وأبوابه, كل ذلك هو تذكير بالماض المجيد وحضارة إيران وفنها الذي يمتد لآلاف السنسن.

عکس خانوادگی ما

صورة لعائلتي

 

 

* مهتاب تشهارطاقي أم وزوجة ومعالجة فيزيائية إيرانية. تستطيعون قراءة هذه المقالة وغيرها من المقالات باللغة الفارسية على مدونتها الخاصة على الإنترنت.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *


*

 

Subscribe to Website via Email

Membership
A member of the Professional Travel Bloggers Association