فهم ثقافة المجاملة الإيرانية. . التعارف

مهدية جهانغير – يتوجه الزبون باتجاه المحاسب ليدفع ثمن المواد الغذائية التي اشتراها, يبتسم المحاسب ويقول للزبون: “خليها علينا هالمرة, إلنا الشرف أنك اشتريت من عنّا“. وبدلاً من ذلك يصر الزبون على الدفع. ووسط إلحاح صاحب المحل: “ما في شي من قيمتك, رجاءً خليها علينا هالمرةيأخذ المال من يد المشتري ليقول له المشتري بدوره: “العفو, لا تقول هيك, ما بصيروفي النهاية يدفع ثمن ما اشتراه من حاجيات وتستمر بعدها هذه المجاملات بانتظار أن يعطي المحاسب للزبون بقية الحساب وليمانع هذا الأخير بدوره عن أخذه!

فالزبون لديه ضيوف لهذه الليلة وقد أشترى من الحاجيات ما يزيد عن المقدار الذي يلزمه, كل ذلك من أجل واجب الضيوف حتى ولو كان هذا الأمر متعب بالنسبة له. فبالنهاية يجب أن يكون للضيوف طيب الاقامة, القضية هنا. فهم أصدقاء وتوجد فيما بينهم مجاملات متبادلة.

تعارفهي كلمة عربية بمعنى التعرف على شخص ما. في الثقافة الإيرانية, المجاملة (التعارف) هو نوع من التصرفات الحضارية, تعبير عن عن الأدب والاحترام المتبادل, ففتح الباب للسيدات هو مثال على ذلك. مثال آخر عندما يريد مجموعة من الأفراد الدخول لبيت ما فإنهم يقومون عادة بدعوة بعضهم البعض من أجل الدخول أولاً: “تفضل أنت أولاًويلحون على ذلك.

لست واثقاً بشكل دقيق منذ متى أصبحت هذه المجاملات متداولة بين الناس لهذه الدرجة هنا في إيران ولكن بعض الباحثين أشاروا لأنها تعود للزمن الاقطاعي حيث أصبحت هذه المجاملات شيئاً روتينياً في حياة الناس وجزء من عاداتهم وتقاليدهم. ومع أنهم يعلمون أن هذه المبالغة في أسلوب المجاملة هي فقط من خصائص الإيرانيين إلا أنني شاهدت ما يشبهها عند بعض أصدقائي الآسيويين خصوصاً اليابانيين.

في إيران يتعلم الأطفال آداب المعاشرة من الصغر عن طريق الأهل والأقارب, ومع أن هذه الآداب تختلف من طبقة اجتماعية لطبقة اجتماعية أخرى ومن عائلة إلى عائلة أخرى إلا أنها موجودة عند جميع الأشخاص سواءً أكانوا من حملة الشهادات و ذوي السطح العلمي المرتفع أو سواءً كانوا من عامة الناس والذين لم يكملوا دراستهم للسطوح العليا. إنها نوع من الطرق الغير مكتوبة للاحتكاك مع الناس, فبإمكان أي شخص تعلم هذه الأشياء من المجتمع كشكل من أشكال التحاور المؤدب في المناقشات بين طرفين, نوع من أنواع القوانين الاجتماعية التي يفهمها الجميع بشكل ضمني. كذلك لأن الإيرانيين يعطون أهمية بالغة للشكل الذي يريدون إظهاره للعالم وللآخرين عن أنفسهم, فأصدقائي الذين زاروا إيران غالباً ما كانوا قد تحدثوا عن كرم الضيافة الإيرانية وهذه المجاملات التي شاهدوها هي أساس ذلك.

وفي بعض الأوقات تصبح هذه المجاملات كثيرة جداً فمثلاً نصف ساعة للترحيب ونصف ساعة للوداع وكل ذلك وهم واقفين على عتبة الباب. ففي بعض الأوقات قد تكون غير لائقة وخارجة عن التقاليد الاجتماعية. ولكن عندما تكون هذه المجاملات في وقتها فهي وسيلة لائقة ومحترمة للمناقشات بين طرفين لتقديم الاقتراحات والطلبات, وسيلة صميمية تقربك أكثر لمن تحب, وسيلة لتكون لطيفاً مع الآخرين ويتركونك بابتسامة, أو أنها قد تكون الطريقة المؤدبة الوحيدة لقول كلمة لا من دون إيجاد استياء.

لذلك فإذا ما أصر صاحب الدكان على هذه المجاملات وعلى أنه ليس من الضروري لك أن تدفع ثمن الأشياء التي أشتريتها من عنده, فأنت تتفهم أنه شخص جيد ولكنك ستدفع له وأنت مبتسم. وإذا ما قال لك إزاء ذلك قربونت برمأي جُعلت فدائاً لك فليس قصده أنه يفديك بروحه, إنه فقط قام بشكرك بإسلوب إيراني!

وإذا ما أعطاك شخص إيراني قلم لتملئ استمارة الفيزا وباقي أوراق الدخول وقال لك: “قابل ندارهأي احتفظ به لإجلك, فابتسم وأعده له وقل: “صاحبش لازم دارهأي إنك تحتاجهوإذا ما كنت ضيفاً في بيت أحد الإيرانيين وقالو لك: “قدمت به روي چشمفبالحقيقة هم لا يقصدون أنك تمشي على أعينهم. فما قصدوه هو أنهم مسرورين جداً بكونك ضيفهم ويتشكروك على حضورك.

وإذا ما قالو لك: “چشممون رو روشن کردید” (أي أنك نورت) فهذا يعني أنك عزيزٌ عليهم وهم حاضرون لفعل أي شئ يسعدك لأنه وفي الثقافة الإيرانية الضيف هو حبيب الله. فأنت تستطيع أن تسترخي وأن تكون مرتاح البال ولك أن تستمتع بطيب الضيافة لأن مضيفيك الإيرانيين هم أشخاص مضيافون وكرماء!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *


*

 

Subscribe to Website via Email

Membership
A member of the Professional Travel Bloggers Association