المغامرة بالمجئ لإيران, البلد الذي طالما أسيئ فهمه

ک. ک. تونغ – لقد خططت أنا وأصدقائي لهذه الرحلة منذ حوالي سنة تقريباً (من آذار 2011) مع أن وسائل الإعلام و حتى أصدقائي في سنغافورة تراها خطرة. أنا كنت قد قرأت أن هذا البلد لديه ثروات ثقافية هائلة تنتظر الأشخاص المحبين للخوض فيها والتعرف عليها. الرحلة إلى طهران كانت متعبة بعض الشئ لأسباب عدة أحدها بقاءنا مستيقظين بإنتظار الطعام والهبوط في كولومبو حيث توقفت الطائرة هناك بعض الوقت, والسبب الآخر الوضعية التي كنت جالساً فيها محاولاً النوم مما سبب لي آلاماً في الظهر والرقبة.

لحسن الحظ أنتهت رحلتنا الجوية ومضت التسع ساعات بسرعة, بعهدها بقينا من ساعة لساعتين في مطار دبي لمسائل تتعلق بالعبور وتغيير الوجهة إضافة لساعتين بعدها أيضاً في الطائرة المتجهة إلى طهران. ومن هذه اللحظة بدأت الأمور تصبح أكثر متعة!

Tehran Airportوفقاً لمعلوماتي فإنهم يقومون بإعطاء السنغافوريين للفيزا عند وصولهم لأرض المطار, لذلك وعند وصولنا لأرض المطار توجهنا للمكتب المسئول عن إعطاء الفيزا لأخذ الفيّز الخاصة بنا. عندما حان دورنا, سألنا الموظف من داخل المكتب من أين أتيتم؟ فأجبناه ونحن بغاية التعاون والسرور كما أخبرناه بأننا جئنا لهنا بقصد السياحة. نظر إلينا نظرة سريعة وقام بالتحقق مما بدا لنا وكأنه قائمة موجودة في مكتبه ثم رمقنا مجدداً بنظرة أخرى وقال أنتم لا تحتاجون لفيزا, وأرشدنا لقسم ضبط الهجرة والجوازات. هذا شئ مغاير كثيراً لما كنت قد توصلت إليه من خلال أبحاثي ومغاير للشئ الذي كان الناس قد أخبروني عنه. وصلت لقسم ضبط الهجرة والجوازات يساورني بعض الشك والخوف مما كان قد قاله لي. في الجمارك ألقى موظف الهجرة نظرة عليّ وعلى جواز سفري وسألني: ويزا؟؟ فأجبته وأنا لا أعلم كيف يجب أن أجيبه: بدون فيزا. هز رأسه وأدخل شيئاّ في حاسوبه ثم أعطاني جواز سفري مختوماً, عندها فهمت أنني في إيران! فكل إجراءات الدخول لم تستغرق برمتها أكثر من خمس دقائق في واحدة من أكثر إجراءات الهجرة سرعة! بعد استلام الحقائب ألتقينا بدليلنا في طهران حيث كان في يده ورقة مكتوب عليها أسماؤنا. في طريقنا إلى الفندق أتصل بي مسئول مكتب السفر والذي كنت على علاقة معه ليطمئن على وصولنا لطهران ومن أنه قد تم إحضارنا للفندق وليخبرني بأن شخصاً آخر سيقوم بالتقاءنا ليأخذنا بجولة في طهران.

انطباعي الأول عن إيران تكون منذ لحظة خروجنا من المطار وعلى طول الطريق للفندق. هناك أشياء كثيرة هنا, فإيران ليست متخلفة كما كنت أتخيل. على طول الطريق هناك الكثير من علامات الطرق مكتوب عليها باللغتين الانجليزية والفارسية. فجأة أصبح هناك ازدحام في حركة المرور وبدا من الواضح لي أننا قد صرنا في طهرانكنت قد قرأت سابقاً عن الازدحام المروري المروع في طهران ولكنني لم أكن أتصور أن يكون بهذه الدرجة من السوء. فالناس لا تقود سياراتها بين الخطوط, إنهم يقحمون سياراتهم عنوة في أي مكان استطاعوا, المسافة بين السيارات قريبة جداً لدرجة أنني وبمد زراعي أستطيع ببساطة فتح باب السيارة المجاورة لنا. الشئ الذي أدهشني هو أنه ومع كل هذا الازدحام والفوضى المرورية إلا أنني لم أشاهد أي حادث سير على طول الطريقالقيادة في طهران تحتاج للكثير من الجرأة وتشتمل كافة الحالات الدفاعية منها والهجومية وأي شخص يحتاج عند القيادة هنا لأن يكون حازم.

Golestan Palaceبعد أن استقرينا في الفندق إلتقينا بدليلنا من أجل التعرف على طهران. وكان قصر كلستان أول مكان توقفنا عنده. أنا دائماً كنت أحب زيارة القصور لما تحتوية من قصص عن الماضي, وعن الأيام التي كان فيها الأمراء يستخدمونها. في مخيلتي كنت دائماً أتصور أن القصور ضخمة, فهي عادة ما تكون رمز لقوة الملوك والسلاطين خاصة عندما تستخدم لاستقبال الشخصيات المرموقة من الدول الأخرى. في البداية وعند دخولنا للقصر أحسست بقليل من خيبة الأمل فهذا القصر كان أصغر من ذلك الشئ الذي كنت قد تخيلته. قصر كلستان يحتوي على أربعة أبنية أصلية مع المساحة المحيطة بهم. مع دخولنا لحديقة القصر بدا البناء الأول واضحاً على الفور حيث كان يحتوي على عرش من الرخام. إيجاد عرش الملك لم يكن أمراً بالغ الصعوبة فقد كان بمكان واضح تقع عليه عين الناظر مطل على الحديقة وما تحتويه من نوافير وغيره.

تجولنا في القصر الحاوي على عرش الرخام, لفت إنتباهي تابوت رخامي كان موضوعاً هناك. أوضح لنا الدليل أن هذا التابوت نُقش عليه رسوم للملائكة وكان يستخدم من قبل السلطان والذي كان متأثراً ولحد كبير بالثقافة الأوروبية. أخبرونا أن التابوت الآن فارغ وقد تم عرضه هنا لإظهار النفوذ الكبير الذي كان لأوروبا في تلك الأيام. البناء الثاني الذي قمنا بمشاهدته كان صالون الاستقبال والضيافة والذي يحتوي بداخله على ثلاث قاعات منفصلة. واحدة تشبه غرفة الاستقبال ومكان إقامة العائلة الملكية, كان البهو الأصلي لهذا البناء مزين بالمرايا بشكل معماري فريد. وصلنا لقاعة الطعام, كذلك هنا فالنموذج الاوروبي كان واضحاً على أعمدة القاعة. هذه القاعة كبيرة نسبياً حيث كانت عائلة السلطان في تلك الأيام تتناول طعامها فيها.

Golestan Palaceالقاعة التالية التي قمنا بزيارتها كانت قاعة المرايا. كانت بالنسبة لي أكثر ما تكون شبيهة بغرف الدراسة. كانت هذه القاعة أصغر قليلاً من القاعتين السابقتين ومزينة بالكثير من المرايا. مما جعلني أتسائل هل كان الملك الذي بنى هذا القصر يحب المرايا لدرجة كبيرة أم أنه أستخدمها لأنها تجعل ما حولها أكبر مما هو عليه في الواقع. عندما خرجنا, على الجهة اليسرى كان هناك قاعة التتويج. في الوقت الحاضر كانت هذه القاعة هي الأكبر من بين القاعات الثلاث ولا تحتوي على أي أثر للنفوذ الأوروبي في تصميمها. هذا الصالون وكما كنت قد أشرت كان فقط يستخدم لمراسم التتويج وللترفيه عن كبار الشخصيات الأجنبية.

القاعة التالية والتي كنا قد شاهدناها كانت قاعة العاج, كانت هذه القاعة أشبه ما تكون بالطريق, تحتوي داخلها على كرسيين وعاجين كبيرين كانا قد وضعا للعرض.

Golestan Palace groundsالبناء التالي والذي كنا قد زرناه في القصر كان صرح الشمس. الشئ البارز في هذا الصرح هو وجود برجين كبيرين بالإضافة لبرج ساعة أصغر منهما. قيل لنا أن التصميم الأصلي لهذه الأبراج لم يكن مرفقاً بالغرفتين الموضوعتين فوق البرجين. فبعد أن سافر الملك لأوروبا وأحب أبنيتها أمر أفراده بإضافة تلك الغرفتين للبرجين. كانت هذه الأبراج في يوم من الأيام أعلى الأبنية في طهران. كان أمراً سيئاً للغاية أنه لم يمكننا الدخول لتلك الأبراج وإلا لكنت صعدت لأعلى تلك الأبراج وشاهدت المنظر من هناك. على يسار هذا البناء هناك بناءٌ آخر مع أربعة أبراج للرياح. دخلنا هذا البناء وشاهدنا القاعة الرئيسية والتي كانت أيضاً مزينة بالمرايا. لكن الشئ المميز في هذا البناء كان أبوابه والتي تُفتح بشكل عمودي ليبقى جو القاعة معتدلاً في الصيف. أحسست أن هذا البناء ممل لدرجة ما وكأن أمراً خاصاً لم يحدث فيه. بعدها ذهبنا لبناء كان قد تم تبديله لشئ أشبه ما يكون بالمعرض الفني. في ذلك الوقت لم أكن متأكداً هل حقاً كان ذلك الفن مملاً بالنسبة لي أم أنني كنت أشعر ببعض التعب. قمت بجولة سريعة في هذا القسم وخرجت مسرعاً. كان من الواضح أنه كان آخر محطة لنا في ذلك القصر. وفيما كنا نسير متجهين نحو السيارة سألنا الدليل فيما إذا كنا نريد إلقاء نظرة سريعة على سوق طهران, أكبر سوق موجود في مدينة طهران؟ نحن لم نعترض وفعلاً قمنا بجولة سريعة في السوق. هنا كان يوجد ازدحام كبير بعض الشئ فالسنة الإيرانية الجديدة كانت على الأبواب والكل خارج للتسوق من أجل السنة الجديدة. السوق كبير ومرتب. أقسام تبيع الأقمشة والمنسوجات وأقسام تبيع التوابل المتنوعة وأقسام أيضاً لبيع الملابس. يمكن للشخص أن يجد هنا كل ما يلزمه تقريباً من أجل البيت. بعدها ذهبنا للقسم السفلي من السوق حيث محلات بيع السجاد الإيراني. كان هناك الكثير من المحلات التي تبيع السجاد وبعضها كان بالفعل جميلاً للغاية. تم الشرح لنا وبشكل مختصر عن أنواع السجاد الإيراني وكيف يمكننا تمييزه. بقينا هناك قرابة النصف ساعة قبل أن نتجه بعدها لمحطتنا التالية.

Tehran Bazaar

 

بعد أن تجولنا في الشوارع هنا وهناك, دخلنا لمكان يشبه البنك. بعد مرور وقت طويل فهمت أننا في متحف للمجوهرات. كان انطباعي الأول عن متاحف المجوهرات عندما قرأت عنها لأول مرة مملاً بعض الشئ, ربما كان مكاناً توضع فيه المجوهرات ولا شئ آخر. كان إجراءات الآمان في المتحف مشددة للغاية حيث لا يُسمح بإدخال أي نوع من أنواع الأجهزة الإلكترونية بما في ذلك الهواتف النقالة. قلت لنفسي حسناً أعتقد أنه عليّ فقط أن أتبع القوانين. ومع دخولنا للقبو شاهدنا تاج وعرش الطاووس الشهير المزين بالذهب والأحجار الكريمة. كان العرش رائعاً وجميلاً للغاية وأغلب الظن أنه باهظ الثمن. ومع تجوالنا في المتحف ومع وجود كل هذه المجوهرات النفيسة والأحجار الكريمة المعروضة أحسست أن الزمن يعود بي إلى الوراء للأزمنة الغابرة!

حفنة من تلك المجوهرات كانت كافية لتأمين مستقبل كل عائلتي. أحسست وكأنني لم أعجب لدرجة كافية بما كنت قد شاهدت, أفضل وأثمن هذه المجوهرات الموجودة هنا كانت بحر النور, وهيّ أكبر جوهرة زهرية اللون في العالم كانت موجودة هنا! من النظرة الأولى فهي تشبه جوهرة عادية, ولكن ومع اقتراب الشخص منها والنظر إليها بشكل جيد من مستوى العين سيلاحظ أنها زهرية اللون! قلت ممازحاً الدليل سعر هذه الألماسة يكفي لتأمين حياة مترفة لعشرة أجيال كاملة!

Tehran National Museum entrance

عندما كنت داخل متحف المجوهرات أدركت أن هذا المتحف بالفعل كان يستحق الزيارة! فأنا وطول فترة حياتي لم أكن قد رأيت هذا الكم من الاحجار الكريمة والجواهر النفيسة وبالطبع أكبر جوهرة زهرية في العالم!

بعد أن غادرنا متحف المجوهرات توجهنا باتجاه المتحف الوطني. كنت متحمساً جداً لأنني كنت قد قرأت سابقاً أن زيارة هذا المتحف تستطيع أن تعطينا فكراً أفضل عن تاريخ إيران وعن توالي الأحداث والحقب التاريخية فيه. كان هذا المتحف واحد من الأماكن التي كان لا بد من الذهاب إليها. بمجرد دخولنا للمتحف تم إبلاغنا بضرورة تسليم كاميراتنا الشخصية. عادة يُسمح بإدخال كاميرات التصوير ولكن في تلك الفترة كان يتم عرض اسطوانة عن كوروش لذلك لم يتم السماح باصطحاب الكاميرات للداخل. (قلت لنفسي وماذا في ذلك؟) بدخولنا للمتحف أحضر لنا الدليل خريطة كبيرة ثلاثية الأبعاد عن إيران وأخذ يُوضح لنا عن أماكنها المختلفة. كذلك كنا نتجول ونطوف على التحف الأثرية التي تم عرضها هناك, شعرت بالتعب والملل قليلاً! إنها ليست مؤثرة بالقدر الذي كنت أتخيل أن يكون عليه خارج شاشات العرض, فقط أستطيع أن أتذكر الأسنان التي تعود لصبي عمره 14 سنة والتي تعود لـ 500.000 سنة مضت بالإضافة للصخرة الضخمة المنحوتة التي جيئ بها من عرش برسبوليس ليعرضوها هنا. باقي معروضات المتحف كان عبارة عن طاسات وكؤوس وأدوات حربية. ليست شبيهة بكأس الشاي خاصتي. ذهبنا للطايق الثاني حيث كان يتم هناك عرض اسطوانة لكوروش. هذا أثر إيراني من إيران إلا أنه في الوقت الراهن تم أخذه على سبيل الاستعارة من المتحف البريطاني. إنها فعلاً مدعاة للسخرية, الأثار التاريخية للدول يجب أن تتم استعارتها من الدول الأخرى.

يُقال أن هذه الأسطوانة هي عبارة عن الميثاق الأول لحقوق البشر, عند خروجنا من المتحف كان هناك نسخ من اسطوانة كوروش معروضة للبيع, فقمت بدون تردد وعلى الفور بشراء إحداها, كانت فريدة من نوعها موضوعة في علبة خشبية. في المساء وقبل ذهابنا للفندق من أجل الاستراحة أحضرنا الدليل لهذه البوابة والتي كانت تستخدم في إيران كرمز للسياحة, كان واضحاً على تلك البوابة القدم, ما كان خلف هذه البوابة كان يستخدم بعنوان مهبط للطائرات. التقطنا هناك بعض الصور ثم ركبنا السيارة من جديد.

Dinner!في طريق العودة للفندق سألت دليلنا إذا ما كان هناك مطعم إيراني جيد قريب من الفندق؟ فأشار علينا على مطعم بجانب الفندق فعقدنا العزم على أنه وبعد أن نذهب للفندق لوضع أمتعتنا هناك فإننا سنذهب لذلك المطعم لنجربه. ذهبنا باتجاه المطعم. بجد لو لم يكن الدليل قد أخبرنا بوجود المطعم هنا ما كنا لننتبه على وجوده. لم يكن المدخل يتحدث عن ما يختبئ وراء أبوابه. مع دخولنا للمطعم كان يبدو خالياً. لا يوجد أي زبون. أعتقدنا بالبداية أنه ربما يكون المطعم مغلق فقمنا بسؤال النادل, فأخبرنا أنهم متواجدين للعمل وأشار علينا بالجلوس على إحدى الطاولات. قمنا بطلب كباب وشاي وبعد انتهائنا من تناول الطعام وبينما كان يتحدث مع النادل فهمنا أنهم قد قاموا بتبديل وخلط طلباتنا فيما بيننا. قام النادل بالإعتذار وذهب مسرعاً لإحضار الشاي كنوع من الإعتذار على أمل أن لا ينقصوا شيئاً من راتبه.

بعد العشاء ذهبنا للفندق لنستريح فقط تعبنا من رحلتنا الليلية, ذلك إضافة لأنه يجب علينا الاستيقاظ غداً في الساعة 3:45 صباحاً للحاق بطائرتنا المتجهة إلى شيراز.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *


*

 

Subscribe to Website via Email

Membership
A member of the Professional Travel Bloggers Association